الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

516

انوار الأصول

أقول : يمكن الجواب عن هذا الوجه ببيان آخر ، وهو أنّه كما يبحث في المبادئ التصوّريّة عمّا يرجع إلى تصوّر الموضوع والمحمول كذلك يبحث فيها عمّا يرجع إلى تصوّر غاية ذلك العلم ، ولا إشكال في أنّ غاية علم الأصول إنّما هي استنباط الحكم الشرعي ، فيكون الحكم مأخوذاً في غايته ، فالبحث عن أحوال الحكم وأوصافه ( نظير البحث عن أنّ الحرمة والوجوب هل يجتمعان في شيء واحد أو لا ) داخل في المبادئ التصوّريّة لعلم الأصول ، فيرجع كون البحث في المقام من المبادئ الأحكاميّة لعلم الأصول إلى أنّه من المبادئ التصوّريّة لعلم الأصول . نعم ، إنّ هذا كلّه تامّ لو كان البحث في المقام بحثاً عن كبرى تضادّ الأمر والنهي ( أي تضادّ الوجوب والحرمة ) فيكون بحثاً عن أوصاف الوجوب والحرمة وأنّهما هل يكونان متضادّين ، أو لا ؟ مع أنّه ليس كذلك حيث إنّه بحث عن صغرى التضادّ وعن أنّ تعلّق الأمر والنهي بشيء واحد ذي عنوانين هل يوجب اجتماع المتضادّين بعد الفراغ عن كبرى تضادّ الأحكام الخمسة ، أو لا ؟ فظهر أنّ البحث في ما نحن فيه ليس من المبادئ الأحكاميّة التي ترجع في الواقع إلى المبادئ التصوّريّة . وذهب المحقّق النائيني رحمه الله إلى أنّها من المبادئ التصديقية لعلم الأصول وليست من مسائله ، وحاصل بيانه أنّ هذه المسألة على كلا القولين فيها لا تقع في طريق استنباط الحكم الكلّي الشرعي بلا واسطة ضمّ كبرى اصوليّة ، وقد تقدّم أنّ الضابط لكون المسألة اصوليّة هو وقوعها في طريق الاستنباط بلا واسطة ، والمفروض أنّ هذه المسألة ليست ، كذلك فإنّ فساد العبادة لا يترتّب عليه القول بالامتناع فحسب بل لا بدّ من ضمّ كبرى اصوليّة إليه ، وهي قواعد مسألة التعارض ، فإنّ هذه المسألة على هذا القول تدخل في كبرى تلك المسألة وتكون من إحدى صغرياتها ، فيترتّب فساد العباد بعد إعمال قواعد التعارض وتطبيقها في المسألة لا مطلقاً ، وهذا شأن كون المسألة من المبادئ التصديقية لمسائل علم الأصول دون المسائل الاصوليّة نفسها ، كما أنّها على القول بالجواز تدخل في كبرى مسألة التزاحم فتدخل في مبادئ بحث التزاحم « 1 » .

--> ( 1 ) راجع أجود التقريرات : ج 1 ، ص 333 - 334 .